محمد بن جرير الطبري

94

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

متروكا استغني بدلالة ما ذكر عليه من ذكره ، وذلك أن الله دل بخبره عن تكذيب هؤلاء المشركين الذين ابتدأ هذه السورة بالخبر عن تكذيبهم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله : بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ على وعيده إياهم على تكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم ، فكأنه قال لهم : إذ قالوا منكرين رسالة الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ ستعلمون أيها القوم إذا أنتم بعثتم يوم القيامة ما يكون حالكم في تكذيبكم محمدا صلى الله عليه وسلم ، وإنكاركم نبوته ، فقالوا مجيبين رسول الله صلى الله عليه وسلم . أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً نعلم ذلك ، ونرى ما تعدنا على تكذيبك ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ : أي أن ذلك غير كائن ، ولسنا راجعين أحياء بعد مماتنا ، فاستغني بدلالة قوله : بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فقال الكافرون هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ من ذكر ما ذكرت من الخبر عن وعيدهم . وفيما : حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ قالوا : كيف يحيينا الله ، وقد صرنا عظاما ورفاتا ، وضللنا في الأرض ، دلالة على صحة ما قلنا من أنهم أنكروا البعث إذا توعدوا به . وقوله : قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ يقول تعالى ذكره : قد علمنا ما تأكل الأرض من أجسامهم بعد مماتهم ، وعندنا كتاب بما تأكل الأرض وتفني من أجسامهم ، ولهم كتاب مكتوب مع علمنا بذلك ، حافظ لذلك كله ، وسماه الله تعالى حفيظا ، لأنه لا يدرس ما كتب فيه ، ولا يتغير ولا يتبدل . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، فال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ يقول : ما تأكل الأرض من لحومهم وأبشارهم وعظامهم وأشعارهم . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ قال : من عظامهم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، في قوله : قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ يقول : ما تأكل الأرض منهم . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ قال : يعني الموت ، يقول : من يموت منهم ، أو قال : ما تأكل الأرض منهم إذا ماتوا . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول ، قال الله قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ يقول : ما تأكل الأرض منهم ونحن عالمون به ، وهم عندي مع علمي فيهم في كتاب حفيظ . القول في تأويل قوله تعالى : بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ . . . السَّماءِ فَوْقَهُمْ . . . فُرُوجٍ يقول تعالى ذكره : ما أصاب هؤلاء المشركون القائلون أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ في قيلهم هذا بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ ، وهو القرآن لَمَّا جاءَهُمْ من الله . كالذي : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ أي كذبوا بالقرآن فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ يقول : فهم في أمر مختلط عليهم ملتبس ، لا يعرفون حقه من باطله ، يقال قد مرج أمر الناس إذا اختلط وأهمل . وقد اختلفت عبارات أهل التأويل في تأويلها ، وإن كانت متقاربات المعاني ، فقال بعضهم : معناها : فهم في أمر منكر ؛ وقال : المريج : هو الشيء المنكر . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن خالد بن خداش ، قال : ثني سلم بن قتيبة ، عن وهب بن حبيب الآمدي ، عن أبي حمزة ، عن ابن عباس أنه سئل عن قوله : أَمْرٍ مَرِيجٍ قال : المريج : الشيء المنكر ؛ أما سمعت قول الشاعر : فجالت والتمست به حشاها * فخر كأنه خوط مريج